مجموعة حقول
العراق: "معظم المرضى الذين جاؤوا إلى قسم الطوارئ كانوا من الأطفال"

مونيكا ثالينجر هي طبيبة أطفال، وتعتني منذ نهاية يوليو/تموز بالأطفال العراقيين في مستشفى أطباء بلا حدود في غرب الموصل. فيما يلي تروي قصة مدينة مدمرة وسكان بحاجة إلى الرعاية ليتعافوا من معاناة استمرت أشهراً عديدة.

"كان الغبار الصادر عن قذائف الهاون والمدفعية مازال يملأ الجو عندما وصلت إلى غرب الموصل في نهاية يوليو/تموز. كان كل شيء من حولنا مدمَّراً. منازل مهدّمة، سيارات محترقة فوق أسطح المنازل، حفرات خلَّفتها الصواريخ، أسوار مثقوبة بطلقات نارية. شوارع فارغة. أما الشيء الوحيد الذي كان يقطع رتابة منظر الدمار في الطريق فهي حواجز التفتيش المتتالية. كانت المعارك قد توقفت حديثاً والمشهد على جانبي الطريق إلى المستشفى مروعاً.

ووسط الركام ظهر مبنى المستشفى، ومن الخارج لم يكن عليه ما يدل على هويته. أما من الداخل فكان الأمر مختلفاً. فقد تحول المبنى المحترق إلى مستشفىً صغيرٍ نظيفٍ حديثٍ، بفضل براعة المختصين اللوجستيين في أطباء بلا حدود. وبدا أشبه بعيادة يمكن أن تكون في بلدان عديدة. طوال المهمات الثمانية التي أديتها مع أطباء بلا حدود لم أر مرفقاً جميلاً كهذا ويضم التقنيات الأساسية التي تم تركيبها بسرعة قياسية بعد افتتاحه.

حال وصولي إلى المستشفى بدأت بالتعرف على الطاقم والمرضى. كان زملائي مزيج من الأطباء المختصين والأطباء المبتدئين والممرضين المدرَّبين. أما عمال النظافة فكانت مؤهلاتهم أعلى من عملهم، منهم من يحمل شهادة دراسات عليا ولم يجد عملاً آخر. كان الكادر المحلي ممتناً جداً لوجودنا هناك. إذ لا توجد منظمات غير حكومية أخرى تعمل في غرب الموصل، كما أن المستشفى العام الذي كان يخدم المنطقة أصيب بنقص شديد في الأجهزة والأدوية والطاقم. ومن البداية كانت غالبية المرضى الذين يأتون إلى قسم الطوارئ من الأطفال، كما أن عدد الحالات التي نستقبلها كان يرتفع كل يوم. 

 

سنوات من المعاناة تركت أثراً كبيراً على الأطفال

ثلاث سنوات من العيش تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية وتسعة أشهر من القتال ليستعيد التحالف العراقي السيطرة على المدينة، تركت أثراً كبيراً على الفئة الأكثر ضعفاً، ألا وهي الأطفال. غالباً ما كانت غرفة الطوارئ مليئة بأكثر من طاقتها الاستيعابية بأطفال مرضى ويبكون ومن جميع الأعمار. منهم من لديه سوء تغذية أو يعانون من مضاعفات مرتبطة بأمراض مزمنة كالسكري أو أطفال معاقين بسبب إصابات الحرب. بعضهم وُلِد مريضاً. وكثيرون أصبح لديهم مشاكل نفسية.

كان عدد الأطفال والرضع المرضى والجرحى أكبر بكثير من عدد إصابات البالغين الناتجة بشكل مباشر عن المعارك على خطوط الجبهات. وكانت القصص المرعبة تتكرر ذاتها مع جميع الأسر المتضررة: قصص عن الدمار والعنف والفقد عانوها خلال السنوات الأخيرة. كان لقاء هؤلاء المرضى تحدياً بذاته. فقد تطلب مني أن أكون أكثر بكثير من طبيبة.

 

علياء

علياء، ثماني سنوات، أصيبت عندما تعرض منزل أسرتها للقصف الذي لقيت أمها على إثره حتفها. أصيبت علياء بعدة إصابات وكانت كلتا ساقيها مكسورتان على نحو سيء، وقد خضعت لجراحة في مكان آخر لإصلاح الضرر. كانت ساقاها مثبَّتتان ببعضهما بقضبان حديدية، وكان ذلك مؤلماً ومعوِّقاً لها. لم يكن الأثر على علياء جسدياً فقط بل تضررت نفسياً كذلك. توقفت عن الأكل وفقدت شهيتها.

كنت أتساءل ما إذا كانت التبعات النفسية عليها أكبر من إصاباتها الجسدية. كانت تأتي عدة مرات في الأسبوع لتغيير الضمادات ودائماً كان يحملها والدها المشفق وعمتها القلقة. وبدورنا أصبحنا جميعاً مهتمين جداً بوضعها بعد أن صرنا نعرفها جيداً وبعد أن أصبحت أشبه بخيال إنسان. وبما أن استشاري الصحة النفسية خاصتنا لم يكن قد وصل بعد، كان الشيء الوحيد الذي يمكن أن نقدمه لها هو المحادثة والنصائح وبعض الألعاب. من أين علينا أن نبدأ بعلاجها؟ كانت مهمة جماعية لنا أن نجعل تجربتها في المستشفى سارَّةً قدر الإمكان. كان الجميع يسهم في ذلك من ممرض الفرز إلى حاملي النقالات إلى عمال النظافة.

 

ثم تغير شيء ما بشكل مفاجئ، وبدأت تأكل من جديد وتتحدث وتمزح وتلعب، كما أصبحت تشاكسنا وتأخذ أقلامنا. كان الجميع مغرماً بعلياء التي تحولت من طفلة صغيرة مذعورة إلى شابة صغيرة سريعة الغضب تلتقط لنفسها صور السيلفي. لقد تحسنت صحتها وأصبحت شخصاً آخر. كنا نتناول الكوكا كولا مع رقائق البطاطا أثناء محادثاتنا. جاءت علياء قبل العيد بقليل وقد صبغت شعرها ووضعت على وجهها مساحيق تجميل داكنة، وبدت كنجمة. واحتفلنا مع أسرتها بالزي الذي اختارته لذلك اليوم. كانت صحتها تتحسن بشكل مستمر بدنياً ونفسياً. أما والدها فصار يأتي وعلى وجهه ابتسامة عريضة وممتن للمساعدة التي تلقتها ابنته. تتماثل جروح علياء للشفاء وقريباً ستتوقف عن زيارة المستشفى. تحسن وزنها وتبدو بصحة جيدة وتبتسم اكثر من ذي قبل، وسنفتقدها.

تغير المنظر الذي على جانبي الطريق كلياً، وبدأت الحياة تعود بالتدريج إلى غرب الموصل. الشوارع تتغير كل يوم، والمحلات تفتح أبوابها، والعنز تتجول هنا وهناك حول أماكن النفايات وتأكل البلاستيك. العجلات الدوارة مليئة بالأطفال المرحين. وبالرغم من الأحداث المريعة التي خيَّمت على حياة مرضانا وطواقمنا على مدى السنوات الثلاث الماضية، أشعر بالدهشة عندما أراهم يواصلون المجيء إلى العمل، ويواصلون صنع الشاي للجميع على الغداء، ويواصلون مشاركة طعام غدائهم معنا. ستفتح المدارس أبوابها قريباً، وأتصور في ذهني علياء بشعرها المجدول وتحمل حقيبتها في طريقها إلى المدرسة لتنضم إلى باقي رفاقها إن شاء الله.