مجموعة حقول
مساندة الأشخاص الذين يعانون من مرض السّكري في رحلتهم الطويلة مع المرض

بقلم زينب حمّود، مستشارة متخصصة في دعم المرضى والإرشاد التثقيفي مع منظّمة أطباء بلا حدود في بيروت (لبنان)

بدأت العمل مع منظّمة أطباء بلا حدود، وتحديداً مع الأشخاص الذين يعانون من مرض السّكري، منذ عامين تقريبًا في مخيّم شاتيلا المكتظّ بالسكان في بيروت. ويقطن المخيّم لاجئون سوريون وفلسطينيون. ومع ذلك، يزور عيادتنا مرضى من جميع أنحاء لبنان وليس من منطقة واحدة فحسب، وتختلف جنسيات المرضى بين لاجئين سوريين وفلسطينيين ومواطنين اللبنانيين وعمال مهاجرين. ويُعتبر مرض السكري مرضًا صعبًا، إذ أن الأشخاص المصابين به مجبرون على التعايش معه لبقية حياتهم ومن دون خيار. لكن من ناحية أخرى، من المذهل حقًا رؤية المرضى وهم يتقبلون مرضهم ويتعايشون معه.

تختلف جلسات دعم المرضى والإرشاد التثقيفي من حيث المضمون فتشمل إتباع تعديلات في النظام الغذائي وتغيير نمط الحياة الذي من شأنه أن يعزّز السيطرة على مرض السكري. وتشمل هذه الجلسات أيضًا تفسير طبيعة مرض السكري وأعراضه ومُضاعفاته للأشخاص الذين يعانون منه. صُمّمت هذه الجلسات بطريقة تتناسب مع نمط حياة المرضى وتعتمد منهجًا يتمحور حول احتياجاتهم. ولا يتمثل الهدف من هذه الجلسات في توفير معلومات حول مرض السكري فحسب بل ايضًا للتوعية حول كيفية ادماجها في نمط حياة الأشخاص الذين يعانون منه.

 ويبقى التحدي الأكبر لدى المرضى اتباع نمط حياة صحي، وعادات غذائية صحية، والالتزام بتناول الأدوية. ويُعتبر تناول الدواء بانتظام من الجوانب الأساسية لنجاح العلاج. لكن قد يصعب على الأشخاص المستضعفون الحصول على الأدوية، وخاصة الأنسولين، بسبب الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في البلد. في هذا السياق، تقدّم منظّمة أطباء بلا حدود الأنسولين فضلًا عن أدوية أخرى لمرضاها المصابين بالسكري مجانًا.

 بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر من الصعب جدًا تحقيق تغييرات سلوكية لدى هؤلاء المرضى لأنهم يواجهون الكثير من الضغوط اليومية مثل الأزمة المالية والاقتصادية، وعدم الاستقرار الاجتماعي، ونظام الرعاية الصّحية الضعيف وغيرها الكثير.

MSF292480.jpg

Zeinab prepares an education session on nutrition in the MSF clinic at Shatila refugee camp, south Beirut
Zeinab prepares an education session on nutrition in the MSF clinic at Shatila refugee camp, south Beirut

ويُنصح الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري باتباع نظام غذائي متوازن يتضمن الكربوهيدرات، والبروتينات، والدهون.

 لكن للأسف، يتعذر على الكثير من المرضى الحصول على البروتينات ومصادر الدهون الصّحية مثل الدجاج والمكسرات بسبب تضخم الأسعار الحالي في لبنان. أضحت الكربوهيدرات، التي عادةً ما تكون أقل تكلفة من غيرها، تشغل جزءًا كبيرًا من النظام الغذائي لدى السكان، مما أدّى إلى زيادة مستوى السكر في الدم وزيادة خطر الإصابة بمضاعفات مرض السكري.

 في ظل ذلك، نعمل باستمرار على إيجاد بدائل لهذه المكونات الغذائية التي من الممكن أن يكون من الصعب شرائها بأسعار رخيصة عن طريق اقتراح خيارات بديلة بأسعار معقولة أو التوصية باتباع نمط حياة أكثر نشاطًا.

غالبًا ما يكون من الصعب تحفيز المرضى على الالتزام بعلاجهم. أذكر مريضًا كان يأتي بانتظام منذ عدة أشهر إلى العيادة ويعاني من مستوى غير مستقر للسكر في الدم. الأمر الذي يمكن أن يكون ضارًا للأشخاص الذين يعانون من مرض السكري.

وقد حضر هذا الرجل في العديد من الجلسات التثقيفية حول مرض السكري لكنه لم يمتثل لعلاجه. خلال إحدى الجلسات، سألته عن هدفه في الحياة. لاحظت النظرة المضيئة في عينيه عندما بدأ يتحدث عن ابنتيه اللتين كانتا في سوريا في ذلك الوقت.

وقال إنه نادرًا ما يُسأل عما يشعر به أو عما يحب. يحتاج الناس في الكثير من الأحيان إلى آذان صاغية، وإلى حافز يدفعهم إلى الأمام تمامًا كما رأى هذا الرجل ابنتيه كمصدر لتحفيزه في تحسين نسبة السكر في الدم. وبدأنا نناقش من هذا المنطلق كيف يمكنه السيطرة على مستوى السكر في الدم لديه. أعتقد أن فهم المرضى لا يقل أهمية عن التثقيف الذي نقدمه لهم.

قد لا أتمكن من تغيير الظروف التي يعيش فيها المرضى، لكن بالتأكيد يمكنني التأثير على طريقة تفكيرهم حتى يتمكنوا من التعايش مع المرض بشكل أفضل.

وتُعتبر مجموعات الدعم للأشخاص الذين يعانون من مرض السكري مفيدة جدًا لأنها تساهم في إنشاء شبكة اجتماعية صغيرة للمرضى. في خلال العام الماضي، أجرينا العديد من مجموعات الدعم للفتيات الشابات المصابات بمرض السكري، وقد حققت تلك المجموعات نجاحًا كبيرًا حيث تمكنت الكثير من الفتيات من تكوين صداقات وتحسين نسبة السكر في الدم لديهن.

كان العامان الماضيان اللذان قضيتهما مع مرضى السكري في المخيّم مثمرين حقًا. لقد تعلمت الكثير من تجربة المرضى مع المصاعب اليومية مع مرض السكري الذي سيرافقهم مدى الحياة، فرؤية أؤلئك الأشخاص يحملون عبئًا كبيرًا مع شح الموارد لديهم هو أمر محزن جدًا ولكنه مصدر إلهام.

ويفرح العديد من المرضى بالأشياء الصغيرة ويستمدون قوتهم منها لمتابعة حياتهم. إنهم يتشبثون ويكافحون من أجل العيش، وينهضون من تحت الرماد. جعلني هذا الموضوع أدرك مدى قدرة الإنسان على التكيف، ومنحني المزيد من القوة للتغلب على الحوادث والعقبات..